تاريخ رفح

تعرضت ارض كنعان في القرن الثالث عشر قبل الميلاد لهجرة جديدة من جانب الفلسطينيين الذين قدموا من إحدى الجزر اليونانية بمراكبهم البحرية التي تحمل أسرهم في مجموعات عديدة نتيجة أحداث غامضة ألمت بهذه الجزيرة واستقروا في جنوب فلسطين ، وتحديدا من غزة حتى جنوبي يافا ويرجع السبب في ذلك : أن هذه المنطقة ارتطام عسكري و ثورة عارمة تتصدى باستمرار للقوى الفرعونية الغازية من الجنوب التي كانت تأتي في شكل حملات متتابعة لمعاقبة الفلسطينيين ، و فرض مختلف المطالب عليها .

 هذا التصدي أفقر المصريين و بتالي أضعف مقاومتهم أمام هجوم قبائل البادية وقرصان البحار ، كما أنهك السكان الأصليين فوجد الفلسطينيون في ذلك فرصة للاستقرار في منطقة الضعف ،و استــوطنوا هــذا  الشريط الساحلي الملتصق بالبحر ، و ما كان باستطاعة الفلسطينيين أن يصيبوا ذلــك النجاح في تثبيت أقدامهم في البلاد لو أن مصر الامبراطورية كانت لا تزال قادرة على السيطرة التامة عليها .

 كانت سياسة الفلسطينيين أن يظلوا قريبين من البحر ــ ولا يتعمقوا في الداخل  ــ حيث يمكنهم السيطرة على طرقه واستخدام التلال التي تغطيها الكروم فيما وراءه. ولما كان الطريق الساحلي محط اهتمام المصريين ولا غنى لهم عنه عسكريا وتجاريا , كان لابد أن تنشأ بينهم وبيـــن الفـــلسطينيين علاقة حسن الجوار و المعاملة الطيبة ومشاركة الفلسطينيين في تأمين هــذا الطريق ، حيث امتدا نفوذهم من اسدود شمالا حتى رفح جنوبا .

 ومع استقرار الفلسطينيين في هذه المنـطقة ، واهتمام المصــريين بالطريق الساحلي و علاقة حسن الجوار التي اشرنا إليها  والتي يدل عليها أن معظم الأثار الفلسطينية التي اكتشفت في غزة ودير البلح ورفح كانت جنبا كذلك لم تعد رفح مجرد نقطة حراسة على هذا الدهليز الضيق ، بل أصبحت مدينة مزدهرة وتلعب دور المدينة الدولة  city state ذات المسحة الدفاعية حيث احتلت تلة مرتفعة يقرب مساحتها أقل قليلا من 200م2 .

احتلال الأشوريين رفح ...

     مع بداية القرن الثامن ق.م تعرضت فلسطين للغزو الاشوري تغريهم السيطرة العالمية . هذا الممر الإستراتيجي إلهام الواصل بين مراكز القوة و السيطرة العالمية . هذا الممر الساحلي الجنوبي الذي كانت مدنه غزة وعسقلان و رفح ، تمثل مركز الثقل السياسي و القومي للفلسطينيين ، والتي قــــامت الاحتلال الاشوري  بشدة ، فبعد أن فتح "سرجون" السامرة (نابلس) ثم زحــف عــلى غزة لفتحها و كان "حانون " ملك غزة قد حالف ملك مصر الذي مده بنجدة قوية حيث أحس المصريون بخطر الاشوريين القادم مــن الشمال ، سار "سرجون " بجيوشه إلى رفح ، والتي كانت قد تحصن فيها "حانون " ملك غزة و أخذ أسير إلى اشور ، بينما فر القائد المصري (سبغى ) إلى بلاده.

 لم ترض غزة و رفح بهذا الاحتلال فعاودتا الثورة من جديد ، لتأخذا دور الثقل الثوري ضد الغزاة ، ولم يخل الأمر من مساندة مصـريـة ولكن (سرجون الثاني ) عاد مرة أخرى لمدينتي غزة و رفح سنة 713ــ712ق.م، واستطاع القضاء على الثورة فيهما و تدميرهم.

 

معركة رفح الثانية سنة 217ق.م

      عاد لرفح قدرها المحتوم كمنطقة ارتطام عسكري ، كما لـــم يتغير قدرها في موقعها الحدي الذي حولها إلى ساحة قتال بين الأطراف المتخاصمة البطالمة و السلوقيين ، حيث ادعى بطليموس الرابع أن قسمة المملكة بعد مقتل ( انتيغوس ) من نصيبه ، و زعم (انطيوخوس ) الثالث الملقب بالكبير أنها وقعت في نصيب سلوقس وهو وارثه و خليفته فهي إذا له ، ومن الجدير ذكره أن بطليموس تغلب في عام 312ق.م بمساعدة سلوقس على انتيغوس في غزة و ضم فلسطين إلى مقاطعته المصرية و لما لم يسلم (بطليموس ) بذلك زحف (انطيوخوس ) في الربيع إلى مصر سنة 217ق.م ومعه 20,000مستوطن أوروبي يدعمهم 10,000 من الرجال المختارين من قوميات كثيرة و10,000 من العرب و سائر رجال القبائل الأخرى  وعدد من المرتزقة مما يرفع العدد إلى 62,000من المشاة و6000من الفرسان و 102من الأفيال الهندية .

زحف  (بطليموس) بجيوشه إلى الحدود لصد الجيش القادم من الشام بقيادة( انطيوخوس) من الدخول لأرض مصر، بلغ عدد جيش (بطليموس) الملقب " فيلو بتر " 73,000 مقاتل من المصريين و المكدونيين و أهل تراقة و الغاليين و 73فيلا , التقى الجيشان على أرض رفح و كانت زوجة  (بطليموس) قد رافقته إلى الحدود و ركبت فرسها وجالت معه بين الصفوف , تحرض الجند على القتال والاستبسال في الدفاع عن نسائهم و أولادهم و حل الجيشان الواحد منهما على مقربة من الأخر , فتسلل أحد قواد ( انطيوخوس) ذات ليلة محاولا قتل (بطليموس) , ولكنه بدلا من قتله قتل طبيبه , وجرح اثنتين من حاشيته , حيث كان (بطليموس) خارج خبائه .                     

صف الملكان جيشهما للقتال ووقف كل منهما أمام صفوفه تشـــــجيعا لهم , ونزلت امرأة (بطليموس) مع زوجها إلى ساحة القتال , لتثير الحمية في صفوف المقاتلين . و في بداية المعركة ظهر أن جيش (بطليموس) كـــان في خطر الانكسار , لأنه لما اقترب الجيشان و شمت الأفيال الإفريقية رائحة الأفيال الهندية ارتعدت و انكمشت عن منازلة أفيال أضخم منها جدا .

ثم عند التحام الجيشان انكسر الجناح الأيسر لكل منهما , ولكن قبل أن ينتهي النهار أنهزم جيش ( انطيوخوس) انهزما تماما فرجع إلى غزة , و منهما إلى أنطاكية تاركا في ساحة القتال عشرة ألاف قتيل و أربعة ألاف أسير .

نجح  ( انطيوخوس) في عام 198ق.م في هزيمة جيش المصريين في بانياس حيث استخدم الجيش السلوقي  الفيلة , كما في معركة "رافيا" رفــــح التي قد جلبها بكمية كبيرة من الهند , وقد استرجع  ( انطيوخوس) بعد قتال استمر عشرين عاما كل ما فقده والده وجده تقريبا وكسب بذلك لقــب الكــبير .

 وعودة إلى مدينة رفح , فقد قاست هذه المدينة الصامدة الشئ  الكثير من المأسي و الفواجع من جراء الحروب , التي قامت على أرضها بين فراعنة مصر والاشوريين , وبين البطالمة و السلوقيين من خلفاء الاســــكندر , ومــع نهاية القرن الأول قبل الميلاد , دمرت رفح على يد الأسكندر ( جانيوس )؛ إثناء فتحها , ليعيد بنائها وسكناها القائد ( جبانيوس ) ، وهذا يؤكد بأنها ليست مجرد موقع عسكري متقدم و إنما مدينة لــها أهميتها الإستراتيجية كونها مدينة ساحلية , تأثرت بالفكرة الهيلينية القديمة بشأن الحكم الذاتي لدولة المدينة , وتبقى المعلومات والدراسات ــللأسف ـــ عن رفح في هذه الفترة شحيحة , حيث لم تقم دراسة أركيولوجية جادة رغم غزارتها ,ورغم الكنوز المدفونة تحت تلالها تبين لنا شكل المدينة ومسلحتها وسعة شوارعها، ولكن المؤكد أنها نالت حظا من الحضارة اليونانية داخل أسوار المدينة ، وكانت من المكانة بحيث أغرت الملكة (كليوبترا ) بأن تتزوج فيها حيث يذكر "ستب"  Stepp بأن رافيا (رفـــح) تعتبر أول مدينة سورية. للقادم من مصر الى سورية , وهي المكان الذي تزوجت فيه كليونترا (ملكة مصر في عهد البطالمة ).
اما خارج اسوار المدينة ,فقد عاش العنصر الوطني من السكان المحيطين بها حسب الطريقة التقليدية محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم العربية السامية القديمة متحدثين بلغتهم لغة ابائهم متمسكين بمعتقداتهم وافكارهم دون اهتمام بتغيرات الملوك.
كما انهم مارسوا الزراعة ,وازداد انتاجهم من الحبوب (القمح و الشعير ) والعنب والزيتون وغيره من الثمار بواسطة تحسين الاساليب ,كما انه من المؤكد ان صناعة الزيت كانت اكثر نشاطا, فقد وجدت بقايا معاصر الزيت في تل رفح الذي كانت تقوم عليه رافيا القديمة (رفح) وهي بحالة جيدة ,وبعضها سرقت بعد الاحتلال الاسرائيلي مباشرة في عام 1967م ,فقد اتت سيارات ضخمة حملتها الى داخل الدولة العبرية مع غيرها من الكنوز الاثرية لهذه المدينة .كما عثر على رحى لطحن الحبوب ويعتقد ان الفاصولياء والعدس والقرع وغيرها من النباتات المصرية النموذجية قد ادخلت الى هذه المدينة في عهد البطالمة ,كما انه من الواضح ان الزيتون والخبز والسمك يشكلان جزءا اساسيا من الغذاء السكان ,حيث وجد بقايا سمك في موقد للنار في تل رفح ,وبيدو انهم كانوا ياكلون السمك مشويا .

رفح في ظل الامبراطورية الرومانية :
فردت الامبراطورية الرومانية اجنحتها على مصر وسوريا, ولم يعد هناك قوة متصارعة في الشمال والجنوب,لتلتقي عند رفح او بالقرب منها جحافلهم ,ولم يعد الطريق الساحلي ذاك الممر الاستراتيجي الهام ,بل اصبح مجر ممر مدني تحرسه قلة من الجند ,تقف على اطلال المدن القديمة ,ولعل تل الخرائب متلا الذي يقع على شاطئ البحر في اقصى الجنوب الغربي من رفح كان يقوم -باعتقادنا – بدور المراقبة البحرية للسفن والقوارب ,التي تقترب من الشاطئ ,فهو اشبه بنقطة حراسة ساحلية تقوم بحراسة المدينة.وهذا بالاضافة الى مجمل تلال كانت ولاتزال منتشرة هنا وهناك وان كل موقع من هذه المواقع له دلالته الاستراتيجية القديمة وذلك باحتلاله تلة مرتفعة بنحو لا يقل عن 40 مترا عن مستوى سطح البحر متمشيا مع نظام الاكروبوليسي القديم .وان هذه التلال مرتبطة ببعضها البعض عن طريق انفاق .وان تل رفح احتل المكانة الرئيسية بين هذه التلال حيث قامت عليه رافيا الرومانية ,والذي يعتبر عاصمة لرفح المدينة الدولة.

مع هذا كله بقيت رفح تجتر عظمتها بقوة الدفع التاريخية , وانها ما زالت تتمتع بنظام المدينة الدولة على الطريق المتجه الى مصر وقد كان لها نفوذها ,والتي تعود الي نهاية القرن الثاني الميلادي وقد سكت عليها اسمها ,وترجع الامبراطور severus Elgabonns (سيفروس الجبانوس ) واخرى للامبراطور M. Aurelias (اورلياس ) مؤرخة بالاحرف Z A C والتي ربما تعني 177-178 ميلادية ,ومن المؤسف الا يعثر على مثل هذه النقود النادرة ,وقد جاء ذاكرها في المراجع التركية النادرة .
ومما يلفت النظر ان تسك نقود رومية باسمها ليدل دلالة قاطعة على مدى قوتها واهميتها ,فانتشار النقود سهل الحياة الاقتصادية داخل المدينة ,فاعطاها سيولة التداول بين الناس ,ومهدت السبيل لخلق فئة من السكان والتجار واتيحت لهم فرصة البيع والشراء لسهولة اقتنائهم كميات كبيرة من النقد بدلا من عملية المقايضة الاكثر عسرا في السابق .
ومعلوماتنا عن مصادر الثروة في هذه المدينة في العصر الروماني لا تديد عن كونها تخميناتنا هذه لا يمكن ان تكون بعيدة عن الصواب بقدر كبير ,ولعله يكون عن طريق المنطق فقط ان نظن ان هذا الرخاء كان ناتجاعلى الاخص عن طريق التجارة كونها كانت مدينة حدية وانها عادت فى ظل السلام الرومانى لدورها كجسر بين الشمال والجنوب .
بقيت رفح على عبادتها الوثنية ردحا من الزمن فقد اشار المؤرخون الى وجود معابد وثنية لعبادة ابولو وآرتميس كما كشف آربى (1817) خرائب لمعابد كبيرة فى حى تل السلطان .ومع ظهورالمسيح وتحديدا فى عهد قسطنطين دخلت الميسيحية هذة المدينة واصبحت مركزا لاسقفية وقد وجدت بقايا آثار كنيسة وصلبان مصورة على جدرانها فى تل رفح كما وجدت صلبان نحاسية ضخمة فى انقاض المكان المذكور .

 

ظهور المسيح عليه السلام

فى آخر سنة من حكم هيرودس ولد يسوع المسيح في بيت لحم بفلسطين من (مريم العذراء) وبولادته قسم التاريخ الى قسمين ومن الجدير بالذكر ان السنة التى ولد فيها المسيح سابقة للتاريخ المسيحى المستعمل الان باربع سنين لان منشىء التاريخ المسيحى "دانيس الصغير"احد كهنة روميا المتوفى سنة 540م بدأه خطأ بعد ميعاده الحقيقى بأربع سنين فالسنة 2001 مثلاهى فى الحقيقة 2005م.
لما سمع هيرودس وكان داهية طاغية سفاكا للدماء من المجوس الذين جاءوا الى القدس من الشرق ليسجدوا لمولود سيكون ملكا اضطرب هذا الملك فجمع الكهنة وكتبة الشعب وسالهم:اين يولد المسيح؟فقالوا له:فى بيت لحم وكان هيرودس عالما بان ملكا سوف يظهر وفقا لنبوءات التوراة ولم يشأ ان يكون في غير نسله فنوى على قتل المسيح ولكن الله اوحى الى يوسف النجار ان يهرب وامه مريم العذراء الى مصر .
مرور الميسح عليه السلام برفح
يرجح المؤرخون ان رحلة السيد المسيح قد تمت على احد طرق التالية :طريق الشمال ,وطريق حورس الساحلي الذي تحدثنا عنه سابقا والذي يمر برفح طريقة القوافل والحملات العسكرية المصرية والبابلية القديمة ويسميه الكتاب المقدس طريق ارض فلسطين وهو اسهلها .
طريق هذا يمر بغزة ثم رفح "رافيا القديمة " والعرش فالبردويل ,ومنها 
الى تل الفرما القديمة جنوب بور سعيد وشمال القنطرة الى 
فاقوس ومنها الى بحر البقر الى بابليون القلعة الرومانية الى منف .
اما الطريق الثانية الذي يذكره كتاب سياحة انطونيوس فيبدا من غزة الى رفح فالفرما فزاره _ سيلا ومنها جنوبا طوبستوم عند جبل مريم ثم جنوب الى القلعة الرومانية فالبحيرات الرومانية ثم الى شاطىء القناة القديمة.

ولما مات الملك هيروس تلقى يوسف النجار الأمر بالعودة إلى أرض فلسطين ولم يتمكن النجار من العودة إلى بيت لحم بسبب خشيته من الملك ( اركيلاس ابن هيروس ) الذي واصل سياسة أبيه فعاد بالعائلة إلى الجليل عبر رفح  , وهكذا شهدت رفح الخطوات التي قطعتها العائلة المقدسة في رحلتها إلى مصر والعودة مرة أخرى إلى أرض فلسطين .

كانت الدعوة التي جاء بها السيد المسيح روحية ديمقراطية , خلاصتها محبة الله والإنسان , وبالمحبة جعل المسيحيون الإنسانية عائلة واحدة , لانها لا تقف بعاطفة أبنائها عند حد الجنس أو الدين بل تبسطها على البشرية كافة وآيتها الذهبية " افعلوا بالناس ما تريدون الناس أن يفعلوا بكم " وهكذا وضعت المسيحية الأولى  مثلا عالميا أعلى بخلاف المثل الاعلى الاقليمي الذي كان يسود في كل مكان .فكان اليونان والرومان يفكرون بالإنسانية على أساس القمية بينما المسيحيون كانوا اول من اعطى العالم نظرة عالمية فعالة .

وكان الناس قد ملوا عبادة الأصنام التي كانوا يصنوعونها بأيديهم وتعبوا من تقديم الذبائح البشرية والحيوانية للالهة . فلبوا دعوة المسيح واعتنقوا ديانته بكل رغبة وحماسة , كان ذلك واضحا اكثر في ظل الدولة البيزنطية التي أسسها قسطنطين الذي اعترف بالديانة الجديدة , ومنحهم عطفا بعد طول اضطهاد من اسلافه وتذكر الروايات قصة اعتناق قسطنطين للمسيحية انه شاهد في السماء أثناء زحفه على رومية سنة 312م صليبا متالقا عليه كتابة يونانية تقول بهذا ستغلب  ومن المعلوم بالتاكيد ام قسطنطين استخدم اللواء الكبير وعليه اشارة الصليب كعلم امبراطوري وانتصر على منافسه ماكنتيوس وسواء كانت هذه القصة حقيقية ام خيالية فالثابت انه بعد ان كانت هذه الديانة غامضة غريبة اصبحت في عهده الديانة الرسمية للبلاد وكانت هيلانة والدة قسطنطين مسيحية تقية وقد زارت القدس حيث يروى انها وجدت الصليب الحقيقي في القلعة التي تقوم عليها كنيسة القيامة

انقسمت الامبراطورية الرومانية الى قسمين في العام 395 وتحديدا فب مطلع القرن الخامس الميلادي وأعيد تنظيم الولايات السورية ومنها فلسطين التي دخلت ضمن الامبراطورية البيزنطية وفي نحو 400 مو ظهرت التقسيمات والتسميات التالية :

فلسطين الأولى /وتشمل مناطق نابلس والقدس والخليل والسهل الساحلي حتى رفح وعاصمتها قيسارية

فلسطين الثانية / وتشمل مناطق الجليل وام قيس وقلعة الحصن وطبريا وعاصمتها بيسان

فلسطين الثالثة / وهي بلاد الانباط وديار السبع وعاصمتها البتراء

وهكذا نرىان رفح رافيا القديمة في ظل الامبراطورية الصحراوية معرضة لهجمات محتملة من القبائل العربية المتاخمة للجنوب في شمال شبه الجزيرة العربية والنقب , وانطلاقا من المبدا القائل بان الدول لا تهتم بالمدن الحدودية الا اذا تعرضت او شعرت بخطر تهديدها عندئذ تلجا الى تعزيزها وتقويتها فمن المرجح ان الامبراطورية البيزنطية اهتمت بهذه المدينة وعززتها كمدينة حدودية لها وظيفة ادارية وعسكرية وهذا يفسر لنا قضية المد والجزر الذي لازم هذه المدينة منذ فجر التاريخ حتى الان , تغيب عن الاحداث فترة ثم تعود الى بؤرة الحدث بشكل ملفت للانتباه فهي منطقة ارتطام عسكري وثورة تتحطم على صخرتها احلام العدو وينكسر كما ينكسر الموج على شاطئ البحر ويتلاشى .

نعود الى رفح التي من المرجح انها اصبحت مدينة مزدهرة على ساحل البحر المتوسط لتمتد وتتسع وتتواصل احياؤها "ام عماد " المعروفة بخربة ام العمد شرقا وشمالا حتى خربة العدس يؤكد ذلك الكم الهائل مما يعثر عليه من اثار فوق هذه المنطقة سواء كانت فخارية وحجارة او نقود وبقايا اساسيات وجدران وكم هائل من المقابر يمتد من تل رفح حتى ام العمد مرورا بخربة رفح واعمدة رخامية ذات تيجان وصهاريج مياه .

ومن المؤكد أيضا ان رفح كانت اكثر اتساعا من حدودها الحالية , والدليل على ذلك ان تل رفح يمتد جنوبا داخل الحدود المصرية الان فقد وجدت اثار وقبور تمتد من تل رفح وتتجه جنوبا داخل الحدود الان وكذلك خربة ام العمد والتي تقع قرب ممر العودة الممر البري لفلسطين . والجزء الاكبر منها يقع داخل الحدود المصرية وتقرب مساحتها من 1 كم ويكثر فيها المباني المعمارية والاعمدة الرخامية والقطع الذهبية والبرونزية . كما تكثر في المنطفة القطع الفخارية والخزانات الارضية "الهرابات " الا ان الكثير منها قد دفن وهناك خزان ارضي سليم " هرباة " وفي حالة جيدة يبعد 100 م عن الحدود المصرية ويوجد بالجزء العلوي من هذا الخزان فتحتان من الانابيب الفخارية لدخول مياه الامطار بقطر اربع بوصات واتجاه الفتحتين الى الغرب .

وقد عثر على حجر في منطقة رفح منقوشا عليه كتابات يونانية يعتقد انه بمثابة حجر كيلو , او يرمز لنقطة تفتيش على طريق رفح القنطرة ويشير هذا الحجر الى الحدود بين فلسطين ومصر بشكل يطابق ما اشار اليه المؤرخ الفلسطيني القيساري يوسابيوس بانها تبعد اربعة عشر ميل غرب رفح والذي يرجح بعذ الاركيولوجيين بانها منطقة الشيخ زويد و كما شخصها كل من الت ودالمن في نفس المكان وتشير خريطة مادبا الى ان الحدود الفلسطينية المصرية تقع غرب بيت يالون والتي يعتقد بانها الشيخ زويد الان .

وبيزنطية ولا ثالث لهما في المعمور , وكانت الحرب بينهما سجالا , وقلما خلت بطون الأدوية سواء في دجلة أو الفرات أو وادي النيل من الجيوش الجرارة , وبينهما صحراء جرداء تحفل الدولتان بما حولهما ولا تكترثان لما يجري في داخلها , فقد كانت كل منهما عين علي الأخرى , ولم تتوقع الخطر أن يأتيهما من وراء الرمال  أو قل من وراء المجهول , فقد هزم المسلمون الدولتين في بضع سنين , وجاءت الهزيمة من المكان الذي هان شأنه حني لم يحسب له حساب .

وكان العالم قبل مجئ الإسلام قد فقد العقيدة التي تنشأ في ظلها فكرة الركون إلي  قوة الغيب , التي تسيطر علي العالم كله وتبسط العدل , وتحمي الضعيف وتنتقم من الظالم وتختار الأصلح للعباد جمعيا وكان هذا العالم أيضا قد فقد النظام الذي يركن في ظله إلي دولة تقضي شريعة إلهية بين رعاياها وتفصل بين البغاة منهم والأبرياء , وتكفل الأمن والاستقرار لكافة المواطنين . إذا فالعالم بحاجه إلي رسالة وكان محمد – صلي الله عليه وسلم – صاحب تلك الرسالة , الذي حقق في سنوات معدودة اكبر انقلاب في العالم , حيث سما بأمة العرب في جميع الميادين وأبرأها في أمراضها المستوطنة من قديم , واقتلع من عقلياتها وتفكيرها جذور الوثنية التي انحدرت بها إلي الحضيض !!

ومع ظهور الإسلام بعثت  الجيوش لفتح الشام , كانت أولي المعارك بين الروم والعرب في بئر السبع معركة  "الغمر " حيث بلغ يزيد بن أبي سفيان أن بالعربة علي الأرض فلسطين تجمعا لجيش الروم , فوجه إليهم (أبا إمامة الباهلي ) الذي قتل قائدهم , وكان جيش الروم يومئذ ثلاثة الآلاف مقاتل , ثم تبعهم إلي ( الدبية) علي بعد عشرة أميال للجنوب الشرقي من رفح فهزمهم , وغنم المسلمون غنائم كثيرة ,ثم لحق بهم القائد الباهلي في مكان يدعي "الدميثة " عام 634 م , وكاد المسلمون أن يفنوهم عن أخرهم ,وعلي اثر هذه المعركة سلمت غزة للعرب المسلمين من نفس السنة .

وعلي ذكر رفح في الفتوحات الإسلامية , أنه بعد أن أنهي المسلمون فتح فلسطين , تمت السيطرة علي بلاد الشام كلها من أنطاكية  شمالا حتى مصر جنوبا , ولايمكن أن تتلاشي موجة الفتوحات الإسلامية علي حدود مصر بل لابد أن تأخذ امتداد كاملا إلي هذا الإقليم , لتطرد الروم من هذه البلاد لصيانة الفتوح في الشام وفلسطين و وخشية إن يتخذها الرومان قاعدة لاسترداد ما فتح , وإنها الامتداد الجنوبي الفلسطيني , فلا يكف فتحها العرب سوي القليل , لذا استأذن " عمر بن العاص " أمير المؤمنين – عمر بن الخطاب – فتح مصر فادن له , ولكن أمير المؤمنين عندما رجع إلي المدينة أقضي إلي الصحابة بادنه لعمرو بفتح مصر , قال عثمان بن عفان : " يا أمير المؤمنين إن عمرا فيه جرأة وحب للاماره فاخشي أن يخرج في غير ثقة ولا جماعه فيعرض المسلمين للهلكه رجاء فرضه لايدري أتكون أم لا . " فندم عمر علي أدنه لعمرو , وكتب إليه يقول " إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع إلي موضعك , وان كنت دخلت مصر فامض لوجهك " ولما وصل كتاب عمر بن الخطاب لعمرو التفت عمرو بن العاص إلي من حوله وقال " أين نحن يا قوم . " فقالوا : في العريش . فقال وهل هي من ارض مصر أو الشام . ثم أجابوا : - أنها من ارض مصر وقد مررنا بعمدان رفح أمس . فقال " هلموا بنا اذا قياما بآمر الله وأمير المؤمنين "

كان ذلك في 10ديسمير سنه 639 هجري . وقد مر ( عمرو بن العاص ) ليلا برفح من طريق الساحل الطريق الوحيدة للجيوش والتجاريين بين مصر والشام , وقد أعطي القائد المسلم أهل رفح الأمن والأمان علي أنفسهم وأموالهم , وان الجزية علي رقابهم والخراج علي أرضهم مثل ما أعطي أهل غزة .

قال البلاذري : " ثم فتح عمرو بن العاص مدينة "لد " وأرضها ثم فتح "يبني " وعمواس وبيت جبرين واتخذ بها ضيعه تدعي عجلان باسم مولي له وفتح يافا ويقال قتحها و"معاوية" وفتح عمرو "رفح ".

معرض الصور

عدد الزوار اليوم :
421